أغادر المرحلة المتوسطة تعليميآ وكلي آمال في المرحلة القادمة وأكتشافها، وبعد أن مضي سنة كاملة في أول مرحلة من التعليم الثانوي، أتذكر أجتماعات النخبة الطلابية القديرة على أحد طاولات الحوار الصغيرة، واضعين موضوعآ مهمآ على صفيح ساخن، للإختيار القادم لدخول المرحلة الثانية ثانويآ (علميآ) أو (شرعيآ)، فأخذ الكثير من الجدل والنقاش الحاد، ليخرج بتوصيات مصيريه للمهتمين من شأن الموضوع، فأن كنت من يريدون النجاح بيسر وسهولة فلا تثريب بالأختيار الثاني، أم إن كُنت من المناضلين المستعدون للتضحية بمجال أوقات ترفيهك فأعانك الرب على الأختيار الأول، وللمعلومية دخل جميع النخبة الأختيار الثاني، وأصبحت الضحية في أيدي فلاسفة التنظير الجذري (العلمي).
بعد مضي أعوام كثيرة، قابلت أحد الأصدقاء قريبآ من كان رمزآ مهمآ في طبقة النخبة آنفة الذكر، ليبلغني بأنه الآن مُقبل على إنتهاءه من دروس علم أثنى (ركبتيه) مِن أجلها كثيرآ، فباغته بصدفة من أمره متسائلآ، وهل تحتاج كثيرآ للإستزادة حفظآ فوق ماحفظته سابقآ في أختيارك الثاني، حتى أجابني، هنالك الكثير من الكُتب الفقهية تحتاج شرحآ مفصلآ على أيدي العلماء، أي علماء تقصد ياصديقي، المجتهدون كما أجتهدت أسلافهم لأممهم، أم الناقلون إجتهادات عصورآ –قد خلت-، فحقيقة كوني لم أجد إجابه علميه شافية على سؤالي الأخير بكُثر ماوجدت نصيحة أن لا أكرر سؤالي مرة أخرى، لسمومها، فلم أصر على سماعها حقيقة إقتداءً بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
أحد أهم أسباب المشاهد السابقة وبقاءها كذهنية مرسخة على عقولنا أن تكون حفظية ناقلآ لا أكثر من ذلك إستخدامآ للعقل هي المدرسة السَلَفية السعودية –كما يحلو أن تُسمي نفسها-، التي يتضح من مسماها إستنباطآ صريحآ من قول (سَلَف) أي من غادروا هذة الدنيا وبقيت إجتهاداتهم على جسدها تتداول، وفي اللغة العربية يكون مرادف هذه الكلمة هو (الخَلَف) أي الأحياء الذين يأتون بعد المغادرون السابقين، ومن المنطق إلا يبقوا على ماقدموا من إجتهادات، ففي المفهوم السائد بين الجملتين هو مَدح (الخَلَف) بأن يكون خيرآ إمتدادآ لخير (السَلَف)، أو كمال قيل (خير خَلَف لخير سَلَف) وإمتداد للخير المعني هو إكمال مشواره وإلا لا يعد مدحآ كون الخير مازال منذ أن قدم إلى الآن دون تحديث له.
الغريب في الأمر، هو تمسك المدرسة من روادها وطلابها بهذا الأسم مفاخرةً، الذي من الموضوعية أن يكون أسمهم (المدرسة الخَلَفية السعودية) أو مفردآ (خَلَفي) "بفتح الحاء واللام"، فالـ(سَلَف) بطبيعتهم قد غادروا والمتبقين هم (الخَلَف)، ولكن في القراءة للحدث، يتضح أن التمسك هو بسبب نكوصهم وإنهزامهم عن التقدم خطوة للأمام وإكمال مسيرة الراحلون (السلف)، لذلك شاهدوا على أنفسهم هذا الفشل وكانوا حقيقة شجعان فقط في هذة النقطة بأن لم يلقبوا أنفسهم (خَلَفيين) لعدم إستحقاقهم لها، فأنضوا تحت شراع (السلف) تبريرآ لذلك، والتبرير هو عدم التزحزح قيد أنمله عن حقيقة الدين وفقهه السليم، بغض النظر تمامآ كون هذا الفقه قد يمس حياة مجتمعآ كاملآ تغيرت حياته عن مجتمع أولئك السابقون.
الذي أنطلق مِنها المُفكر العربي محمد عابد الجابري من سلسلة أجزاءه الأربعة في (نقد العقل العربي، كتاب "بنية العقل العربي")، من أن الرهان في أزمة الفكر –السلفي- (المرجعية الثقافية) هو بإعادة تأصيل الأصول، فإعادتها كان مشروع الإمام الشاطبي صاحب كتاب (الموافقات) الذي حاول به إعادة بناء منهجية التفكير الأصولي على أساس اعتبار "المقاصد"، مقاصد الشرع، بعد أن بقيت منذ الشافعي مبنية على "استثمار الألفاظ" و"استنباط العلم" و"اعتماد القياس"
وبناء معقولية الحكم الشرعي على "أسباب النزول"، في إطار اعتبار المصلحة يفتح المجال لبناء معقوليات أخرى عندما يتعلق الأمر "بأسباب نزول أخرى، أي بوضعيات جديدة، وبذلك تتجدد الحياة في الفقه وتتجدد الروح في الاجتهاد، وتصبح الشريعة مسايرة للتطور قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان.
فبناء عليها الجابري الأصليين التاليين، أولاً: أن الشريعة وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وأن مقاصدها بناء على هذا، لا تعدو أن تكون ثلاثة أقسام: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وثانيًا: أن "لكل عصر ضرورياته وحاجياته وتكميلياته"، وينطلق من هذين الأصلين ليقرر مصالح جديدة تضاف إلى المصالح التي قررها الفقهاء، أو تتجاوزها بمنطق المعاصرة
فبالنسبة للضروريات: على مستوى حقوق المواطن، الحق في حرية التعبير، حرية الانتماء السياسي، الحق في انتخاب الحاكمين وكل الحقوق الأساسية للمواطن في المجتمع المعاصر، وعلى مستوى حقوق الأمة العربية، الوحدة العربية، تحرير فلسطين، الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، أما بالنسبة للحاجيات: فهي التنمية، التحرر، قوة ومناعة الأمة العربية، وتبقى التحسينات فهي كثيرة لا تُعَدّ ولا تحصى.
وهكذا فإن الجابري يرى أنه "عندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءًا من مقاصد شريعتنا، فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة والمتطورة، بل سنكون أيضًا قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شريعتنا نفسها بصورة تضمن لها الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير أو يطرأ من جديد"
فالحاصل من القول أن المراهنة لدى الجابري ليست كلية أن تنخرط في برنامج إعادة صياغة وبناء المرجعية الإصلاحية، بل تحدي يرتبط بالإتجاه الإسلامي (الأصولي) في الفكر العربي، وتلك الخطوة الأولى عند الجابري لبناء نمط الانتقال نحو الحداثة في الفكر العربي، من خلال تجاوز منطق الاغتراب في الماضي، وذلك باستدعاء البُعد الديني مع التجديد في حمولاته والتفكير في الإصلاح في أفق الديمقراطية والتفكير العقلاني في الممارسة السياسية، وفي خطوة موالية محاولة التأصيل الحضاري للحداثة داخل المجال التداولي العربي الإسلامي، ومنه التأسيس لفضاء الرأي في العقيدة بدل التعلق المطلق من خلال الاشتغال على النموذج الرشدي.
فالحداثة التي يطلبها الجابري لابد أن تمضي مع التراث، ولابد أن التراث يُستدعى ليمضي مع الحداثة، فهل سيسهم ذلك في المدرسة السلفية أن تتجاوز العقل الماضي، ومنطق القطيعة الكلية، لتجنبنا مثالب التوفيقية الجديدة التي ستعيدنا لنا إنتاج الإجابة النهضوية الأولى ..!
(1): محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص59. تقديم: عز الدين العزماني، باحث في النظرية السياسية والفكر الإسلامي.
(2): المقصود عند الجابري ليس "علم أسباب النزول "الذي يتفرع عن علوم القرآن، بل المقصود هو "الوضعية الاجتماعية التي اقتضت نوعًا من المصلحة وطريقة معينة في مراعاتها".
(3): المرجع السابق، ص 63.
(4): يتساءل الجابري بعد أن يعرض للمعالم الكبرى لنظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: لماذا لا يكون المسلمون الباعثون والمؤصلون تأصيلاً جديدًا لـ"الإبستمولوجيا الحقوقية" التي كانت من أولى العلوم العربية الإسلامية نشأة، (علم أصول الفقه)، ما دام الغرب يسعى إلى بناء هذا العلم؟ (انظر المرجع السابق، ص 570).
(5): مرجع سابق، ص 68-72.
(6): مرجع سابق ص 72.